بسم الله الرحمن الرحيم أخواتي أقدم لكم مختصر عما قرأته من كتاب المنهل العذب النمير في سيرة السراج المنير من ص8 الى ص48 -للدكتور وليد العلي-، الذي يتكلم عن سيرة النبي الاعظم محمد عليه الصلاة والسلام، وبناء على طلب الدكتور.. فإني أقسم وأُشهد الله تعالى أني اختصرت ما ورد في تلك الصفحات
المقدمة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، رب العرش العظيم، ومنزل القرآن الحكيم، على رسوله الكريم، محمد صلوات الله عليه ذي المنطق السليم، والقلب الحليم، الذي بعث لإنقاذ الناس من العذاب الأليم، وإخراج الظلمات من كل قلب أثيم، وهدايتهم إلى جنات النعيم، إذ أيده الله تعالى بأهل بيت ثبتوا على نهجه القويم، وسدده بأصحاب نصروه أمام كل عدو خصيم.
في ضرورة وحاجة البشرية إلى سيرة خير البرية
إن الله جل جلاله، حمل رسوله الرسالة، لأنه قد بلغ كماله، وأمرنا أن نتبع أفعاله، ونطبق أقواله، فبه يوزن الإنسان فيعرف هل سيقبل الله أعماله، فكان لزاما عليه أن يبني على هدي الرسول آماله، ويشرع في قراءة سيرته العطرة التي أعطت للتاريخ جماله، ويستخلص منها العبر كي يحسن حاله.
وقد اختار الله تعالى أربعة وعشرين ومئة ألف نبي، ثم اختار منهم ثلاثة عشر وثلاثمئة رسول أبي، فاختار منهم أولي العزم، وهم خمسة معروفين بالفضل والحزم، نبي الله نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام، وبمدحهم يعجز اللسان عن الكلام، ثم اختار منهم الخليلين، إبراهيم ومحمدا سيد الثقلين، ثم اختار منهما سيد ولد آدم، محمدا عليه السلام الخاتم.
فيا معشر الإنس والجان، من لم يلحق بركب النبي فليسرع الآن، قبل فوات الأوان، فإن غدر الزمان، يصعب فيه الأمان، إلا من تسلح بالإيمان، فبذكر الله تعالى كل الاطمئنان، وفي اتباع النبي يشعر القلب باستحسان.
حياته قبل البعثة
نسب النبي: إن لنسب النبي كل الفخر والشرف، حتى أن التاريخ في أفضلية غيره عليه ما عرف، هو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وأبوه عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام الذي فداه الله بذبح عظيم، ابن إبراهيم عليه السلام إذ أسلما لأمر لله تعالى بقلب حليم، بعد أن رأى إبراهيم عليه السلام، أنه يذبح ابنه في المنام، ومايراه الأنبياء حق في الأحلام، فما كان له إلا أن يمتثل لرب الأنام، فقال ابنه يا أبت افعل ما تؤمر بصبر تخر منه الأجرام، فيا لها من بلية تهون في قبالها كل الآلام، بل يا له من تسليم صور لنا حقيقة الإسلام، إنه ابتلاء لأب رزقه الله طفلا بعد انقضاء ثمانينا من الأعوام.
مولده ونشأته
وُلد الرسول عليه الصلاة والسلام يتيما، ولقرت عين أبيه برؤيته لو كان سليما، فتربى في أحضان أمه آمنة، ولم يمض كثيرا حتى توفيت قبل دخوله سن الثامنة، ثم كفله جده عبدالمطلب وهو شيخ كبير، فما لبث أن مات سريعا والنبي صبي صغير، فسبحان الذي وجده يتيما فآواه، وضالا فهداه، وعائلا فأغناه، سبحان الذي يختص برحمته من يشاء، ولا يترك عبده وحيدا في العراء، فكان الله تعالى للنبي خيرٌ حافظا، وكان النبي بالعناية الإلهية قد حظى.
زواجه من السيدة خديجة بنت خويلد
لما بلغ الرسول الأكرم الخامس والعشرين سنة، تزوج السيدة خديجة فكانت له خير حسنة، وهي في سن الأربعين، إذ كانت له من المطيعين، فلم تكن يوما سببا في غضبه، بل كانت له خير أنيس في تعبه، وقد بشرها الله تعالى ببيت في الجنة، يغبطها عليه خيار الإنس والجِنّة.
أولاده وذريته
كان للرسول بنات وبنين، كلهم من خديجة إلا إبراهيم الحنين، فأمه مارية القبطية وإن قلبها عليه حزين، إذ دخل الرسول ذات يوم فسمع من ابنه أصوات الأنين، فبدت عيناه تذرفان بالدموع كأنها الماء المعين، وقال إنا على فراقك لمحزونون حيث الأجر عند الرب الأمين. أما من السيدة خديجة فكان له ابنان، الأكبر وهو القاسم الذي به يكنى سيد الجنان، ثم عبدالله الذي بذكره يطيب اللسان، إلا أن الموت وفي صغرهما سرعان ما حان، فقال العاص بن الوائل يشمت بالنبي الأطهر، قد انقطع نسل محمد فهو أبتر، فأنزل الله تعالى سورة الكوثر.
أما بناته الأربع الطاهرات، فأكبرهن زينب ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة اللاتي تغدو الورود بذكرهن زاهرات، فأما زينب عليها السلام فقد زوجها النبي لابن خالتها أبي العاص بن الربيع الذي جعل الحق أمامه، فأنجبت له عليا وأمامة، وأما رقية عليها السلام فقد زوجها النبي لعثمان بن عفان، وقد رزقها الله تعالى عبدالله الذي أبهج الأعيان، ولقد توفيت بعد عامين من هجرتها إلى المدينة، في وقت انتصار الرسول في غزوة بدر ضد أهل الشرك والضغينة، فاحتارت دموعه أتسري على خده مبتهجة أم حزينة، وأما أم كلثوم عليها السلام فقد زوجها الرسول لعثمان بعد موت أختها بستة أشهر، إلا أنها توفيت ولم تلد له أية أزهر، لذلك سمي عثمان بذي النورين، لأنه تزوج اثنتين من بنات الرسول وكانتا له قرة عين، وأما فاطمة الزهراء عليها السلام فكان الرسول يحبها حبا جما، وكانت له شخصا مهما، إذ قال الرسول، في حق ابنته البتول، فاطمة بضعة مني، من أغضبها فقد أغضبني، وقد زوجها لابن عمه الإمام علي عليه السلام الذي بها يفتخر، وللحق ينتصر، فولدت له سيدي شباب أهل الجنة، الحسن والحسين فـ لله الحمد والمنة، ولقد كان الرسول يشتاق إليهما كاشتياق المؤمن للجنان العليا، إذا وصفهما بأنهما ريحانتيه من الدنيا، كذلك أنجبت الزهراء زينبا وأم كلثوم، اللتيْن أفرحتا قلب النبي المعصوم، وجميع بنات النبي الأكرم توفين قبله فإلى الله الرحيل، إلا الزهراء إذ توفيت بعده بستة أشهر وبقلب عليل، إنها سيدة نساء العالمين، فاطمة بنت أعلم العالِمين.
بعثته
كان الرسول الأعظم قبل البعثة لا يعبد سوى الله تعالى، ولم يسجد لصنم قط لأن عظمة الله أمامه تتجلى، وبالفطرة السليمة قد تحلى، ولما كمل الأربعين عاما، بعثه الله رحمة للعالمين وسلاما، وكان ذلك في يوم الاثنين كاليوم الذي ولد فيه، في غار حراء أرسل الوحي برسالات ربه يوافيه، إذ فاجأه بقوله ( اقرأ باسم ربك الذي خلق )-العلق1، فما أجاب وما نطق، ورجع إلى خديجة يخبرها بما جرى، فزمّلت ودثّرت سيد الورى، وأخبرها بأنه خشي على النفس، فأجابته بكل بأس، ( كلا والله، ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ).
بين أذى الأقربين وندى الأعجمين
بدأ الرسول الأعظم رسالته بإنذار عشيرته الأقربين، فقام عمه عبدالعزى مكذبا سيد المقربين، إذ لم يرتضِ معبودا غير الصنم الذي صنعه، حتى أنه لا يستطيع أن يودعه، فقام الرسول ذات يوم ينذرهم كي يخلصهم من العذاب الشديد، فقال عمه أبولهب تبا لك ألهذا جمعتنا فويله من حر ماء الصديد، فنزلت سورة المسد، تتوعده في آخرته بحرق الجسد، وهذا هو حال عمه أبو طالب، الذي كان يحمي الرسول وبعدم إيذائه يطالب، لكنه للأسف لم يستجب لرسالة الرسول ولم يتمسك بالمطالب، فالعجب كل العجب بإعراض القرشي العربي، وإيمان الأعجمي الفارسي بالنبي.
قصة إسلام سلمان الفارسي
كان سلمان مجوسيا يعبد النار، بل لا يتركها تنطفىء فكانت دائمة المنار، فأحس بعد انقضاء برهة من الزمان بالعار، بعدما مر على قوم نصارى، فأعجبته صلاتهم فصار كالحيارى، أيترك دين آبائه الأولين، أم يعبد الله ويعرض عن الجاهلين، قال له والده دينك ودين آبائك خير مما يعبدون، فقال لا والله إنكم تعبدون نارا أنتم توقدونها وبالله تجحدون، فكأن صوتا من أعماق قلبه، يدليه إلى ربه، فلما سأل أين أهل هذا الدين يقطنون، أجابوه بالشام يسكنون، فذهب إليها وصار ينتقل من بلدة إلى بلدة، حتى أخبره عابد بنبي يُبعث من أرض صلدة، وإن فيه علامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة الأوفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة هذا وكفى، فإن وجدت ذلك فيه فذاك هو النبي المصطفى، ثم مر به تجار ذاهبون إلى أرض العرب، فسألهم أن يحملوه مقابل غنيماته وبقراته فقبلوا فركب، ولما جاؤوا به وادي القرى باعوه عبدا ومع مولاه ذهب، وأتى آخر وابْتاعه حتى دنا من المدينة واقترب، فلما رآها عرفها وقلبه نحوها قد اجتَذب، وبالرغم من عبوديته ما أحس أنه قد اغترب، ولما أمسى ذات يوم كان عنده شيء من الطعام، فأراد أن يختبر النبيَ هل هو حقا نبي الإسلام، فذهب إلى مسجد قباء، لاختبار سيد الأتقياء، قال بلغني أنك رجل صالح وقد كان عندي شيء للصدقة، فأعطاها الرسول لأصحابه ولم يأكل فكان مؤشرا كي يصدقه، ثم أتاه مرة أخرى بهدية، فأكلها الرسول وأصحابه فأصبح الأمر أكثر جدية، ثم جاءه والرسول يتبع جنازة، في وقت يجدر انتهازه، بعد أن وضع الرسول رداءه عن ظهره، فنظر إلى ذاك الخاتم فكانت له بداية جديدة لعمره، إذ استيقن قلبُه، لما وصف له صاحبُه، فانكب على رجله، باكيا لتقبيله، وأسلم بعد عمر قضاه في الضلالة، لكنه الله تعالى هداه إلى الحق وأدخله ظِلاله.
قصة الإسراء والمعراج
لقد أسرى الله سبحانه وتعالى النبي من المسجد الحرام، بروحه وجسده إلى المسجد الأقصى في الشام، ثم عرج به إلى السماء، ليرى ملكوت الأشياء، فبداية هذه القصة إذ أتى البراق كي يحمل الرسول، فأخذه إلى بيت المقدس وقد كان سريع الوصول، فربطه النبي بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، فدخل المسجد فرأى خيرة الأصفياء، فلما حانت الصلاة قام الرسول فيهم إماما، فلما فرغ منها ألقى مالكٌ خازن النار عليه سلاما، ثم جاءه جبريل بإناء من خمر ولبن وعسل، فأخذ اللبن وإن في تقواه يُضرب المثل، فقال جبريل أنت وأمتك على الفطرة، وانطلق به جبريل إلى السماء الدنيا فألقى فيها نظرة، فإذا فيها نبي الله آدم أبو البشر، وعلى يمينه وشماله أسودة تشد البصر، إذا ما التفت آدم عن يمينه ضحك لرؤيته أهل الجنان، وإذا ما التفت عن شماله بكى لرؤيته أهل النيران، ثم صعد به جبريل حتى أتى السماء الثانية، فوجد فيها نبي الله عيسى ويحيى اللذين تركا لذة الدنيا الفانية، ثم صعد به إلى السماء الثالثة وكأن المكان قد ازداد في جماله، فإذا فيها نبي الله يوسف كأنه البدر لحظة اكتماله، ثم صعد به حتى أتى السماء الرابعة، فرأى نبي الله إدريس والعلياء من قلبه نابعة، ثم صعد إلى السماء الخامسة، فكان فيها نبي الله هارون التي اخضرت بذكره الأرض اليابسة، ثم إلى السماء السادسة صعد، فرأى نبي الله موسى الذي كان لله يتعبد، ثم صعد إلى السماء السابعة ، ورأى نبي الله إبراهيم الذي كانت عيناه من خشية الله دامعة، ثم رفعت له سدرة المنتهى، وليس لحسنها وجمالها حد ولا منتهى، ثم دخل الجنة وكان المسك ترابها واللؤلؤ قببها، ففرض الله خمسين صلاة عليه فسأله التخفيف لأنه أمته لاتقدر على ذلك فاستجاب له اللطيف، بخمس صلوات لا يبنبغي فيها التسويف.
موقف الناس من الإسراء والمعراج
بعد ذلك أصبح رسول الله بمكة حزينا، معتزل الناس كأنه سجينا، إذ كيف يصدقون قدومه من الشام، وهو بالأمس كان عند المسجد الحرام، فلما أخبر قومه بما رأى، تعجبوا منه والكل قد نأى، فطلبوا منه وصف المسجد، فبدأ الرسول بالوصف ينشد، فكان أبو بكر أولهم بالتصديق لذلك سمي بالصديق.
ذهابه لدعوة أهل الطائف
بعد أن كذبوه قريش واتهموه بالنبي الزائف، ارتحل النبي أملا في التصديق إلى اهل الطائف، لكنه لاقى كل العذاب والتنكيل و كذبوا الوحي والتنزيل، فأرسل الله إليه ملك الجبال، ليزيل كل آثار الضلال، لكن الرسول بقلبه الرحيم، أمره بتركهم لعله يخرج منهم من يعبد الله بقلب سليم.
الدعوة في أهل يثرب وبيعة العقبة
استقبل أهل يثرب الرسول بقلب محب، وصدر رحب، فكان الأوس والخزرج ينصرونه بأنفسهم وأموالهم، وكانت محبتهم للرسول تمتزج بأعمالهم.
واجتمع المسلمون في بيعة العقبة، وبايعوه على أن الله قد نصبه، وأن يسمعوه ويطيعوه، ويحافظون على الدين فلا يضيعوه، وأن لا يخافوا في الله لومة لائم، ولهم الجنة إن تمسكوا بالبيعة بشكل دائم.